
هو العلامة الشيخ نور الدين أبو الحسن علي بن سلطان محمد القاري، الهروي المكي، المعروف بملا علي القاري، وهو فقيه حنفي ماتريدي صوفي. ولد بهراة، ولم يذكر تاريخ لولادته. كان زاهدا في الدنيا، بعيدا عن الحكام ومجالسهم، معرضا عن الوظائف والأعمال، وكان شديدا عليهم، حاملا على أهل البدع والضلالات في مكة المكرمة (محل إقامته)، كما تعلَّم الخط العربي حتى برز فيه، فكان مورد رزقه مصحفان يكتبهما في كل عام، ويزين المصحف بعض القراءات (وهو من القراء)، فيبيع المصحفين أما أحدهما فيتقوت بثمنه طوال عامه، وأما الثاني فيتصدق بثمنه، وكان ذلك يكفيه؛ إذ كان يعيش بلا زوجة ولا جارية ولا ولد ولا أهل. قال الشيخ محمد عبد الحليم النعماني: ظل الملا علي القاري قانعا بما يحصل من بيع كتبه، وغلب على حاله الزهد والعفاف والرضا بالكفاف، وكان قليل الاختلاط بغيره كثير العبادة والتقوى، شديد الإقبال على عالِم السر والنجوى جل جلاله. انتقل الملا إلى مكة مكرمة في شبابه، وذلك بعد وقوع فتنة السلطان إسماعيل الصفوي، الذي كان لا يتوجه إلى بلدة إلا ويفتحها ويقتل جميع من فيها وينهب أموالهم ويفرقها، وقد قتل خلقا لا يحصون يفوق على ألف ألف (مليون نفس)، وقتل عدة من أعاظم العلماء بحيث لم يبق أحدا من أهل العلم في بلاد العجم، وأحرق جميع كتبهم ومصاحفهم؛ لأنها مصاحف أهل السنة. وقد فعل إسماعيل الصفوي في هراة ما فعل، مما دفع من نجا من العلماء من القتل والذبح أن يهاجر، فكان ممن هاجر من بلاده إلى بيت الله الحرام الإمام علي بن سلطان محمد القاري. وقد دخل مكة المكرمة ما بين عامي 952هـ و973هـ. وفي مكة جلس في حلقات المشايخ يرتشف من رحيقهم وينهل من معينهم. وقد شرح الله صدره في هذا المقام الذي انتقل إليه وهو جوار بيت الله الحرام، وكان لا يرى إلا ومعه كتاب أو بين يدي أستاذ، واستمر على هذا إلى حوالي عام 1003هـ، حيث بدأ تأليف الرسائل والكتب. وفي حوالي عام 1003هـ بدأ التأليف أو أظهره، وقد أخذ يصنف الرسائل والكتب، يقدمها للناس، فكتب في تلك السنوات القليلة من 1003هـ إلى 1014هـ أكثر من 148 رسالة وكتابا. ومن أبرز مؤلفاته، تفسير الملا علي القاري المسمى (أنوار القرآن وأسرار الفرقان)، والأثمار الجنية في أسماء الحنفية، ومنح الروض الأزهر في شرح الفقه الأكبر، وضوء المعالي شرح بدء الأمالي، ومرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، وجمع الوسائل في شرح الشمائل، وشرح مسند أبي حنيفة، وشرح الشفا، وشرح نخبة الفكر في مصطلحات أهل الأثر، والأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة، والمصنوع في معرفة الحديث الموضوع، وأدلة معتقد أبي حنيفة في أبوي الرسول عليه الصلاة والسلام، والرد على القائلين بوحدة الوجود، وتسلية الأعمى عن بلية العمى. وغيرها في شتى العلوم الشرعية. توفي في شوال سنة 1014هـ، ودفن بمقبرة المعلاة في مكة المكرمة. وقد حكى بعض من ترجم للشيخ علي القاري أنه لما بلغ خبر وفاته علماء مصر صلوا عليه بالجامع الأزهر صلاة الغائب في مجمع حافل يجمع أربعة آلاف نسمة فأكثر.
